العز بن عبد السلام

51

زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )

علوت قلت ( يا إنسان ) وإن نزلت قلت يا إنسان ، أفلا يسخطه هذا منك وقد تذوق حلاوة ألفاظ الطاعة والخضوع ؛ وخصه النفاق بكلمات هي ظل الكلمات التي يوصف اللّه بها ، ثم جعله الملك إنسانا بذاته في وجود ذاته ، حتى أصبح من غيره كالجبل والحصاة . يتسويان في العنصر ويتباينان في القدر وأقله مهما قلّ هو أكثرها مهما عظمت ؛ ووجوده شئ ووجودها شئ آخر ؟ . فتبسم الشيخ وقال : يا ولدى ، إيش هذا ؟ إننا نفوس لا ألفاظ ، والكلمة من قائلها هي بمعناها في نفسه لا بمعناها في نفسها ، فما يحسن بحامل الشريعة أن ينطق بكلام يردّه الشرع عليه ، ولو نافق الدين لبطل أن يكون دينا ، ولو نافق العالم الديني لكان كل منافق أشرف منه ، فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود ، والمنافق رجل مغطى في حياته ، ولكن عالم الدين رجل مكشوف في حياته لا مغطى ، فهو للهداية لا للتلبيس ، وفيه معاني النور لا معاني الظلمة ، وذاك يتصل بالدين من ناحية العمل ، فإذا نافق فقد كذب ، والعالم يتصل بالدين من ناحية العمل وناحية التبيين ، فإذا نافق فقد كذب وغش وخان . وما معنى العلماء بالشرع إلا أنهم امتداد لعمل النبوة في الناس دهرا بعد دهر ، ينطقون بكلمتها ، ويقومون بحجتها ، ويأخذون من أخلاقها كما تأخذ المرآة النور : تحويه في نفسها وتلقيه على غيرها ، فهي أداة لإظهار وإظهار جماله معا . أتدرى يا ولدى ما الفرق بين علماء الحق وعلماء السوء وكلهم آخذ من نور واحد لا يختلف ؟ إن أولئك في أخلاقهم كاللوح من البلور : يظهر النور